فخر الدين الرازي

75

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : قوله : * ( باء بسخط ) * أي احتمله ورجع به ، وقد ذكرناه في سورة البقرة . المسألة الرابعة : قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه : * ( رضوان الله ) * بضم الراء ، والباقون بالكسر وهما مصدران ، فالضم كالكفران ، والكسر كالحسبان . المسألة الخامسة : قوله : * ( ومأواه جهنم ) * من صلة ما قبله والتقدير : كمن باء بسخط من الله وكان مأواه جهنم ، فأما قوله : * ( وبئس المصير ) * فمنقطع عما قبله وهو كلام مبتدأ ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها . المسألة السادسة : نظير هذه الآية قوله تعالى : * ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ) * ( الجاثية : 21 ) وقوله : * ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً لا يستوون ) * ( السجدة : 18 ) وقوله : * ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) * ( ص : 28 ) واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا : انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد ، ولولا أنه ممتنع في العقول ، والا لما حسن هذا الاستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال : لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسئ بالمحسن ، فان فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات . * ( هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) * . وفيه مسائل . المسألة الأولى : تقدير الكلام : لهم درجات عند الله ، الا أنه حسن هذا الحذف ، لان اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها . فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون : ان النفوس الانسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية وبعضها بليدة ، وبعضها مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها نذلة ، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الأمزجة البدنية ، بل لاختلاف ماهيات النفوس ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وقال : " الأرواح جنود مجندة " وإذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا أن لهم درجات . المسألة الثانية : هم : عائد إلى لفظ " من " في قوله : * ( أفمن اتبع رضوان الله ) * ( آل عمران : 162 ) ولفظ " من " يفيد الجمع في المعنى ، فلهذا صح أن يكون قوله : * ( هم ) * عائدا إليه ، ونظيره قوله : * ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) * فان قوله : * ( يستوون ) * صيغة الجمع وهو عائد إلى " من " .